هل يمكن لنا معاشر العرب والمسلمين أن نتطلع إلى تغيير موقعنا الحضاري في هذا العالم، بعد أن أصبحنا في موقع اقل ما ينظر إلينا، أننا غير مؤهلين لتصحيح أوضاعنا بأنفسنا، وأصبح العالم الغربي الذي فرض نفسه بالقوة والغلبة، يصيغ المشاريع لإعادة رسم منطقتنا من جديد، ويحتدم عندهم الجدل بين فينة وأخرى بين مشروع وآخر، وكأنهم ينظرون لقصر، يعجزون عن تدبير شئونهم ولا يمتلكون أية خلفية فكرية وتنظيرية لتنظيم أوضاعهم.
ثم، ما الذي يمكن لذكرى المولد النبوي الشريف أن تثير فينا من حراك باتجاه تغيير موقعنا الحضاري هذا، سيما في هذا العام، مع ما تركته الصحيفة الدنمركية (1) التي أساءت لنبينا الكريم، من دلالات حضارية؟.
لنتأمل أولا تلك اللحظة التي أشرقت فيها الأرض، بنور محمد عليه أفضل الصلاة والسلام، لنتعرف على المشهد الحضاري آنذاك، ثم لنعود لواقعنا.

لقراءة بقية البحث:

النبي والمشهد الحضاري

الإدارة نشاط إنساني يشمل كافة مجالات الحياة،بغية الوصول إلى تحقيق نتائج أفضل من خلال تفاعل الموارد المادية والبشرية،وقد اهتم الإنسان بالتفكير والتنظير للعمل الإداري،ووضع قواعد لهذا العلم،فتكون بذلك تراث إداري ضخم،يمكن إنسان اليوم من استثمار هذا التراث لصالح تنمية وتطوير العمل الإداري في كافة مناشط الحياة ليعود عليه بالنتائج الأفضل ويقلل من الخسائر والهدر العام للطاقات البشرية والمادية.

ومع أن النشاط الإداري قديم قدم الإنسان،إذ كان يحتاجه في عمله السياسي والاقتصادي والعسكري بشكل خاص،إلا أن التنظير الإداري المنظم على ما يبدو من الدراسات الإدارية لم يتبلور إلا في بدايات القرن الماضي،مثله مثل علوم أخرى،كعلم النفس والاجتماع الذين كانا ينضويان في الدراسة والتقعيد تحت الفلسفة،وحين تجمعت عناصر كل علم وتراكمت الحقائق العلمية فيه شكل مجالا مستقلا،ثم تفرع عن كل علم مجموعة من الفروع.

لذلك يذهب المفكرون الإداريون إلى أن المدخل الذي كانا معتمدا في الإدارة قبل عام 1900م،كان يعتمد على التجربة والخطأ،وهو مدخل يعتمد بالدرجة الأولى على الخبرة الشخصية في المجال الإداري وما يتميز به الشخص من سمات ومؤهلات تجعل أداءه الإداري صائبا أو خاطئا،ولاشك أن هذا المدخل يجعل من العمل الإداري غير منظم،وغير قابل للمراقبة والتقييم والتقويم.فالخبرة الشخصية جيدة لكنها غير كافية لجعل العمل الإداري محركا للتطوير والتنمية الشاملة.

لعل هذا المدخل وعدم وجود تنظيم للفكر الإداري هو ما دفع تايلور ومجموعة من زملائه في أمريكا لوضع قواعد ومبادئ وأسس علمية لما أسموه بالإدارة العلمية،في الفترة (1900_1930).وقد طالبوا المؤسسات في الولايات المتحدة الأمريكية بالتزامها،من أجل زيادة الإنتاج والإنتاجية،ثم انتقل هذا المدخل الإداري من الولايات المتحدة إلى فرنسا وغيرها من الدول،وقد لوحظ بالفعل زيادة الإنتاج والإنتاجية.

غير أن التركيز على الإنتاج والإنتاجية، على حساب العنصر البشري في العمل أثار موجة من الاستياء لهذا المدخل، وقد وصف بأنه مدخل لا علمي ولا إداري،وهكذا تبلور مدخل إداري آخر على يد مجموعة من علماء النفس والإدارة والتربية،أسموه بالمدخل الإنساني،وقد قام علماء هذا المدخل بعمل دراسة تطبيقية على أعداد كبيرة من العمال ولمدة ست سنوات،عبر إقامة عنابر جديدة للعمل وبمواصفات تناسب العامل،وفي ظروف أكثر ملائمة من الماضي آخذين بعين الاعتبار الإنتاج والإنتاجية بشكل متواز مع تحقيق الرضا النسبي للعامل. وجاءت النتائج مرضية مع بداية تطبيق الشروط الجديدة في العمل.

لكن بعد فترة من الزمن وفي حدود 1950م بدأت الإنتاجية تتراجع، مما كشف عن عيوب في هذا المدخل في المعالجات الإدارية، الأمر الذي دفع الإداريين لوضع مدخل جديد للإدارة وتبنى نظرية أسموها بالنظرية الإدارية المتكاملة.

ثم برز مع العام 1960م،مدخل جديد يدعو إلى إدخال الأساليب الرياضية والكمية في العملية الإدارية لتعطي رؤية مستقبلية،ويعتبر هذا المدخل المسمى بالمدخل الكمي في الإدارة من أهم المداخل الحديثة في الإدارة،وهو يعتمد على استخدام علوم الإحصاء والرياضيات وبحوث العمليات في اتخاذ كافة القرارات الإدارية،وقد نمى هذا المدخل بفضل ظهور الحاسبات الآلية واستخداماتها في الإدارة،ثم جاءت شبكة الانترنت لتدعم هذا المدخل بشكل كبير،إذ أن توفر المعلومات على هذه الشبكة يوفر دقة اكبر في عملية التخطيط الإداري.

بالتزامن مع الاستفادة من المدخل الكمي في العلمية الإدارية برز مدخل آخر لا يقل أهمية عنه،ويؤثر بشكل كبير في اتخاذ القرارات الإدارية،وهو المدخل السلوكي،الذي برز مع التطور الهائل الذي حدث في العلوم النفسية والاجتماعية،وقد بدا الالتفات إلى هذا المدخل في العام 1965م،بغية فهم أعمق لسلوك البشر المتصل بالعملية الإدارية،إذ أن التحدي الأكبر الذي يواجه إدارة المشروعات هو الحصول على التعاون الفعال للعاملين في المشروع،ولا يتأتى ذلك إلا بفهم سلوك العاملين وتحليله تحليلا علميا موضوعيا.
بدأ تدريس المدخل السلوكي في العام 1970م، وقد توزع على ثلاثة علوم تكشف عن سلوك البشر في المواقف المختلفة وهي علم النفس وعلم الاجتماع وعلم الإنسان.
يسعى علم النفس Psychology إلى فهم سلوك الكائنات الحية والظروف التي تسبق أو تصاحب ذلك السلوك مما يساعد على فهمه وزيادة التنبؤ به والتحكم به سواء كان ذلك السلوك ظاهريا ومباشرا أو غير مباشر.فهو يهتم بتحليل الدوافع الإنسانية وانعكاساتها السلوكية، ويجدر القول أن الكثير من المفاهيم في السلوك التنظيمي هي بالأساس مفاهيم في علم النفس مطبقة على الإنسان كعامل أو موظف، وكيف يتصرف وكيف يمكن تنميط هذا الإنسان بشكل يخدم أهداف التنظيم وأهداف الفرد معا.
وعلم الاجتماع Sociology يهتم بدراسة المجتمع والنظم الاجتماعية والجماعات الصغيرة، حيث تتم دراسة أنماط التفاعل الاجتماعي وتحليل المواقف المختلفة التي تصاحبها، وتتضح علاقة ذلك بالسلوك الفردي من حيث أن الفرد يلعب أحد دورين وهما دور القوة المؤثرة التي تحاول السيطرة على سلوك الآخرين أو دور الاستجابة وهو الالتزام بتأثير الآخرين.ويتفرع عن علم الاجتماع حقول فرعية أكثر تخصصا مثل علم النفس الصناعي،وعلم النفس الإداري وعلم النفس الاجتماعي.
وعلم الإنثروبولوجيا Anthropologyيهتم بدراسة الأنماط السلوكية التي تسود في المجتمعات البشرية المختلفة وتحديد المظاهر الحضارية التي تميزها، وتتفرع الدراسات في هذا المجال إلى الانثروبولوجيا الطبيعية التي تهتم بدراسة الصفات الجسمية للإنسان والاثروبولوجيا الثقافية التي تهتم بدراسة العلاقات والميول والتقاليد وأساليب المعيشة والتكيف للإنسان سواء من الجوانب المادية كنمط المباني واللباس والمعدات المستعملة والجوانب المعنوية مثل اللغة والعلاقات الاجتماعية السائدة وما يتصل بهما.

لتكملة قراءة الدراسة:

المدخل السلوكي في الإدارة

تكتسب مسألة الإمامة أهمية خاصة في الفكر الإسلامي، إذ يتداخل فيها الديني مع الدنيوي والعقيدي مع السياسي، والحياتي مع الأخروي، وقد كانت هذه المسالة محل جدال وسجال بين المفكرين المسلمين، في شتى العصور وحتى وقتنا الراهن، ومن غير المتوقع أن تحسم لما فيها من تشعبات وتفرعات واختلافات حتى حول طبيعة هذه المسألة، فهل هي من الأصول أم الفروع، وأي العلوم أحق بالفحص فيها، الفقه أم علم الكلام، أم السياسة أم غيره.
وحسب الدكتور علي أبو ملحم"يمكن القول أن مشكلة الإمامة أقدم المشاكل التي واجهت العرب فقد ذر قرنها منذ اللحظة التي قبض فيها النبي"الدكتور علي ابو ملحم،الفلسفة العربية مشكلات وحلول،232،مؤسسة عز الدين للطباعة والنشر،1994م. ويقول الشهرستاني(479- 548ه):"وأعظم خلاف بين الأمة خلاف الإمامة،اذ ما سل سيف في الإسلام على قاعدة دينية مثل ما سل على الإمامة في كل زمان"الشيخ محمد مهدي شمس الدين،نظام الحكم والإدارة في الإسلام،ص 7،دار الثقافة للطباعة والنشر،نقلا عن الملل والنحل،لأبي الفتح محمد بن عبد الكريم الشهرستاني.
إن صعوبة مسالة الإمامة قادمة من تماسها المباشر مع موضوع الشرعية، التي تشعر الفرد ببراءة الذمة فيما بينه وبين الله عز وجل، ففي الحديث النبوي الشريف"من مات وليس عليه إمام فميتته ميتة جاهلية"صحيح مسلم:12/241-اصول الكافي للكليني:1/376
أو"من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية".صحيح مسلم:6/22.نقلا عن نظام الحكم والإدارة في الاسلام،مصدر مذكور
ومن ناحية أخرى تحسم الشرعية العلاقة الجدلية بين الحق والقوة في المجتمع، وموضوع الشرعية ليس محل تجاذب وتطور عند المسلمين فحسب بل هو عند كافة المجتمعات البشرية وكثيرا ما تأثرت الشرعية بتغيير القوى المجتمعية والتي غالبا ما تكون متحركة.يطرأ عليها التغيير.
ولقد طرحت مسالة "الشرعية"في وقت مبكر جدا عند المسلمين، فبعد وفاة رسول الله(ص) دارت المجادلات التي شهدتها سقيفة بني ساعدة، وأدت إلى تعيين أبي بكر خليفة للرسول حول المبررات التي يطرحها كل من الفرقاء المختلفين لدعم مرشحه للخلافة."ونعلم أن القرب من الرسول والانتماء إلى قريش والسبق إلى الإسلام هي المبررات التي رجحت كفة الخليفة الأول لكن هذه النتيجة لم تنه الإشكال"توفيق السيف، نظرية السلطة في الفقه الشيعي، المركز الثقافي العربي، 2002
وجاء تنصيب عمر بن الخطاب كخليفة ثان، وجعل عثمان بن عفان ضمن ستة، اختير منهم كخليفة ثالث، ومبايعة شعبية لعلي كخليفة رابع، ليفتح أسئلة جديدة عند المسلمين حول موضوع الشرعية.
وبعد استشهاد الإمام علي بن أبي طالب وتنازل الإمام الحسن عن الخلافة كان صعود الأمويين سدة الحكم سببا في تأجيج المسالة.2(2)رضوان السيد، الجماعة والمجتمع والدول، نقلا عن المصدر السابق.
ومنذئذ واجه الفقهاء والمحدثون المسلمون حقيقة أن الدولة التي تحكمهم لم تعد منبثقة منهم، ولا صادرة عن ذات المورد الذي منه ينهلون.3(3)رضوان السيد، المصدر السابق.
وهذا ما يجعل مسالة الإمامة في حالة تجاذب مستمر يحاول فيها كل طرف أن يؤكد على ما ذهب إليه من اجتهاد ليثبت به الشرعية التي من خلالها يبرر التزامه الديني وتفاعله الاجتماعي مع أية سلطة تقوم في المجتمع وكذلك تنعكس على علاقته بالإخوة المسلمين الشركاء معه في المجتمع.
وهناك من نظر إلى أن السبب الأساس الذي جعل الأمة تتحول إلى فرق وشيع هو موضوع الإمامة لأن:"مدار الخلاف فيها يقوم حول تساؤل عريض عن أحق المؤمنين بتولي رئاسة الدولة الإسلامية ولما كان الإسلام دينا ودولة،لهذا فقد شهدنا تحول هذا الصراع السياسي وارتقى إلى مستوى الخلافات العقائدية ومن هنا اطل الخطر المحدق بالأمة الإسلامية فمزق وحدتها وفرق سوادها شيعا وجماعات متناحرة يكاد يكفر بعضها البعض الأخر"الدكتور محمد علي أبو ريان،تاريخ الفكر الفلسفي في الإسلام،ص 121،دار النهضة العربية،بيروت.

لتكملة قراءة البحث:

الإمامة - قراءة نص للشيخ ميثم البحراني