الخطبة الأولى

الحمد لله والحمد حقه كما يستحقه حمدا كثيرا، وأعوذ به من شر نفسي ان النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي، وأعوذ به من شر الشيطان الذي يزيدني ذنبا الى ذنبي، واحترز به من كل جبار فاجر وسلطان جائر وعدو قاهر.
اللهم اجعلنا من جندك فان جندك هم الغالبون، واجعلنا من حزبك فان حزبك هم المفلحون ، واجعلنا من أوليائك فان أولياءك لاخوف عليهم ولاهم يحزنون. اللهم أصلح لي ديني فانه عصمة أمري وأصلح لي آخرتي فإنها دار مقري واليها من مجاورة اللئام مفري.
واجعل الحياة زيادة لي في كل خير والوفاة راحة لي من كل شر.
اللهم بحق هذا اليوم الذي جعلته للمسلمين عيدا ولمحمد (ص) ذخرا وشرفا وكرامة ومزيدا ،أسألك أن تصلي على محمد وآله الطاهرين، وأن تسعدنا بمعرفته وآل بيته صلواتك عليه وعليهم أجمعين.
عباد الله.. أوصيكم ونفسي بتقوى الله.
إذ لا شيء ينفعنا بحق في الدنيا والآخرة سوى التقوى .
واعلموا أن التقوى لا تستقر بقلب المؤمن ألا اذا فرض على نفسه التزاما عمليا ، يؤكد به العلم والمعرفة الحقة التي اقتنع بها .
"فالإيمان عمله كله" و"العلم يهتف بالعلم فان أيده وإلا ارتحل"
وتعالوا عباد الله ، نتعلم من رحلة الحجاج الى بيت الله الحرام ، طريقة نعمق من خلالها التقوى بداخلنا ، وتقربنا الى الله سبحانه وتعالى .
يقول تعالى:
"الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج ، فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج ، وما تفعلوا من خير يعلمه الله ، وتزودوا فان خير الزاد التقوى ، واتقون يا أولي الألباب" البقرة/197.
فلكي يرجع الحجاج بالتقوى ، لا يكفي أن يذهبوا للبيت العتيق ، بل عليهم أن يفرضوا على أنفسهم التقيد بمجموعة من الأمور ، وان تنكبوا عنها، عاقبوا انفسهم على هذه المخالفة.
وهذه الأمور ثلاثة :

الأول: ترك الرفث ، وهو عدم التعرض أو ألا ستجابه لأية إثارة جنسية ، جائزة في الشريعة الإسلامية أم محرمة .
ويبدأ هذا الترك من عدم المشاركة في مجلس يعزم فيه إقامة عقد شرعي بين شخصين لاقامة علاقة زوجية بينهما،وينتهي بترك الممارسة الفعلية للجنس.
الثاني: ترك الفسوق وأصله الخروج عن الجادة أو ما نسميه بالانحراف . ومن ابرز مصاديقه كما حددها الفقهاء الكذب والسباب .
الثالث: ترك الجدال .. وهو المحاجة والمناقشة لاثبات الحق الذي يراه الانسان . سواء كان هذا الحق مطابقا للواقع أم مخالفا له.

وهذا الالتزام الذي يفرضه الحاج على نفسه ، هو الذي يجعل قلبه أرضية خصبة للتقوى .ولكن دعونا نتساءل :
لماذا هذه الثلاثة تروكات بالتحديد ؟! سيما وأننا نعرف أن الحج فرض على الانسان مرة واحدة في حياته فقط .
في تقديري أن هنالك ثلاثة أسباب لذلك :

الأول: أن الجنس والفسوق والجدال ، يلازم الانسان طيلة حياته .
الثاني: أن هذه التروكات الثلاثة ، قادرة على التأثير في مصير الانسان .
الثالث: ان هذه الثلاثة إما أنها تركز شخصية الانسان حينما يتحكم هو فيها، أو تبدد طاقته ومن ثم تمزقها حينما تتصرف هي فيه.

وعلى ضوء ذلك فان المرء في حالة صراع دائم مع تأثيرات الجنس ، والفسوق ، والجدال في حياته ،ومالم يعمل للتغلب عليها فإنها ستصرعه ، وهذه الصرعة ولمزيد من الأسى والأسف ، ليست محدودة بالدنيا ، بل هي مستمرة في تأثيرها الى الآخرة .
ولو أخذنا أي واحد من هذه التركات مثالا ، لوجدنا الأسباب والعوامل الثلاثة تتركز فيها .
إلا تلاحظون أن الجنس مثلا ، يستقطب الكثير من طاقة الانسان ، وحتى الجنس المحلل فانه في حالة عدم الإشباع منه ، يسبب توترا للإنسان قد يستمر معه أياما كما يذهب الى ذلك علم النفس الفسيولوجي. بل قد يدفع ببعض الناس لارتكاب حماقات تؤثر على مستقبلهم الشخصي والمهني والاجتماعي،والديني في الآخرة أيضا .
نشرت أحد الجرائد الدنمركية خبرا اعتداء أربعة من الشباب المسلمين على امرأة دنمركية واغتصابها ، وفسرت ذلك: أن الخلفية الدينية لهؤلاء الشباب هي التي دفعتهم للاعتداء والاغتصاب.وهو تحامل على دين عظيم ، وهروب عن تحليل الظاهرة بشكل علمي.ومن دون شك، ان هذه الحادثة ستؤثر بشكل كبير على مستقبل هؤلاء الشباب الأربعة،لكن ادعاء ان الخلفية الدينية عندهم هي سبب ذلك تحليل خاطئ للحادثة،فبغض النظر عن حيثيات القضية وخلفيات العلاقة بينهم والمجني عليها،فان ما يدفع مثل هؤلاء الشباب لهذا الفعل الآثم،هو وجود جو من الإثارات الجنسية التي تستقطب الرغبة العارمة لدى الشاب للاتصال الجنسي بأية طريقة وان خالفت دينه وعاداته وتقاليده في الممارسة الجنسية،أو خالفت كذلك الأعراف والقوانين السائدة في المجتمع.
من هنا فان الإنسان بحاجة لتدريب نفسه على كيفية التحكم في الرغبة الجنسية قبل ان تولد له توترا نفسيا وجسديا يمتنع عليه التحكم فيه.
والفسوق هو الأخر يترك الإنسان متوترا بصورة دائمة ، ولكي يغطي المرء على فسوقه يلجأ للكذب فيقع في دوامة وصراع المحافظة على أجواء الكذب ،وأساسا . لماذا يلجأ الانسان للكذب ؟!
لكي يعطي الآخرين انطباعا غير حقيقته . لكنه لاييستطيع أن يحافظ على هذا الانطباع بصورة دائمة فحبل الكذب قصير كما قيل في المثل .
من هنا فان المرء بحاجة للوقوف أمام هذه الظاهرة عنده واقتلاعها من الجذور . وهذا يعني انه بحاجة لفرض برامج على نفسه للتخلص من الكذب بمستوياته المختلفة .تماما كما فرض الحجاج ذلك على أنفسهم فترة الإحرام .
والجدال أيضا ، قد يتحول الى عادة سيئة لدى الانسان ، تتضخم فيها ذاته ، لدرجة الاعتقاد أن الحق لا يمتلكه سواه .
كما قال أحدهم : سبحاني سبحاني ما أعظم شأني .
وما في جبتي إلا الله .
هذه الظاهرة الخطيرة تؤثر على نمو التقوى والإيمان بالقلب وما لم يقف الإنسان أمامها قبل أن تتضخم ،فإنها تخنق الشخصية الحقيقية للإنسان،وستبدد طاقاته النفسية والعقلية والجسدية.
رغم أن الاسلام دعى الى المجادلة باللتي هي احسن و وضع قواعد الجدال الحق :
إذ قال : "ولا تقف ما ليس لك به علم .." الإسراء/36.
"ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير" الحج/8.
فمفهوم الآية يدل على ان الجدال يجب ان يصدر عن خلفية علمية أو دينية أو حكمة أنسا نية،ليكون جدالا صحيحا.ومع ذلك فان الإنسان في الحج يمتنع عنه.وهو يعني ان الجدال يمكن له ان يتحول الى عادة سيئة عند الإنسان.
إذن تعالوا عباد الله .. في هذا اليوم المبارك ، نتعلم من حجاج بيت الله الحرام ، كيف نفرض على أنفسنا برنامج تعميق التقوى بداخلنا ، ولنتقرب من الله سبحانه وتعالى خطوات كما يصنع الحجاج في هذا اليوم .
اللهم أعنا على أنفسنا بما أعنت به الصالحين على أنفسهم . اللهم لاتخرجنا من هذه الدنيا إلا وأنت راض عنا يا كريم . اللهم اغفر لنا ولآبائنا ولأمهاتنا ولإخواننا ولأخواتنا .
اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات ، والمسلمين والمسلمات ، الأحياء منهم والأموات وتابع اللهم بيننا وبينهم بالخيرات ، انك سميع مجيب الدعوات . وصلى اللهم على محمد وآله الطيبين الأطهار .


الخطبة الثانية

عباد الله ..
اجتمع في هذا اليوم قرابة مليوني إنسان ، في منى ، بجوار الحرم المكي الشريف.وكل هذا العدد يقوم بثلاثة أعمال :
الأول: رمي الجمرة الكبرى بسبع حصيات .
الثاني: ذبح الأضحية بين يدي الله سبحانه وتعالى .
الثالث: الحلق أو التقصير .
وهذه الأعمال الثلاثة ، تلخص التاريخ الديني للبشرية في سالف الدهر ، وتفتح أعينيها على مصيرنا في المستقبل .فهذه الأعمال هي التي قام بها أبو الأنبياء إبراهيم الخليل . وهو النبي الذي تجتمع عليه الأديان السماوية الثلاثة الكبرى في تاريخ البشرية ، الاسلام المسيحية واليهودية .
لقد كان نبي الله إبراهيم ، مأمورا بتصديق ما يراه في الرؤيا باعتباره أمرا إلهيا ، وجاء الأمر بذبح ابنه إسماعيل ، وهو الابن الذي تمناه خليل الله ،لمّا حرم من الولد من زوجته سارة لفترة طويلة، فجاءه إسماعيل بعد بشارة سماوية من هاجر التي كانت وصيفة لسارة . وبعد أن ترعرع إسماعيل ورأى فيه إبراهيم امتداده الذي سيحمل الرسالة بعده ، وكان محبا له حبا شديدا محافظا عليه بأعز ما يملك .
جاءه الأمر في المنام ، وليس في اليقظة ، ولعل في ذلك تخفيفا على قلب إبراهيم ، جاء الأمر بذبح هذا الغلام تقربا الى الله سبحانه وتعالى "أي" ان يختبر إبراهيم أولويات الحب عنده ، هل حبه لابنه مقدم على حبه لله ، أم أن حب الله في قلبه اكبر من أقوى الروابط العاطفية عند الانسان . وبكل إخلاص وخشوع ،امتثل إبراهيم لأمر الله سبحانه . وقاد ابنه ـفي منىـ الى صخرة الذبح ، ووضع السكين على رقبة ابنه ، وقلبه يتقطع عليه .. لكنه كان صادقا في تقديم حب الله على أي حب .
"فلما بلغ معه السعي قال يابني اني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى ، قال يا أبت أفعل ما تؤمر ستجدني ان شاء الله من الصابرين ،فلما أسلما وتله للجبين، وناديناه أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا أنا كذلك نجزي المحسنين،ان هذا لهو البلاء المبين،وفديناه بذبح عظيم" الصافات/102ـ107.
انه لامتحان صعب ، ولقد حاول إبليس أن يؤثر في إرادة خليل الرحمن ، ويثنيه عن الاستجابة لامر الله ، فابعده إبراهيم عن طريقه ورماه بالحجارة . وحاول الشيطان مرة أخرى مع هاجر لكنها طردته أيضا .
هذا هو العمق التاريخي لما يقوم به الحجاج هذا اليوم ، أما البعد المستقبلي ، فان هذه الشعائر هي التي ستهدي البشرية لعولمة دينية ، تطوف فيها البشرية كافة حول محور التوحيد الذي طاف حوله إبراهيم الخليل (ع).
قبل اكثر من ثلاثة آلاف عام طاف إبراهيم وحيدا ، وسعى وحيدا ، ولبى وحيدا ، واليوم تحولت حركة إبراهيم الى حركة مليونية ، يؤدي ملايين الناس نفس الأعمال في ذات المكان. .
والقرآن الكريم يريد للبشرية كافة أن تسير خلف مسيرة شيخ الأنبياء إبراهيم (ع) ولايتم ذلك إلا بعولمة دينية . تتجاوز العولمة التي يروج لها اليوم ، العولمة القائمة على أساس مصلحة تجار العالم على حساب فقرائهم بينما العولمة الدينية يتساوى فيها الفقراء والأغنياء. والسود والبيض .والنخب والعامة.
"ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة إبراهيم حنيفا واتخذ الله إبراهيم خليلا" النساء /126.
وكلما تكررت رحلة الحج في كل عام ، تتكرر الدعوة القرآنية لعولمة دينية ،تتخذ من إبراهيم الخليل عليه السلام دليلا لها ومن الحج منطلقها.
"ان أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين ، فيه آيات بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنا ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فان الله غني عن العالمين" آل عمران/96ـ97.
ركزوا مع القرآن على لفظة العالمين في هذه الآية التي تجمع بين إبراهيم (ع) والحج إلا ترونها دعوة لعولمة دينية ان صح مصطلح العولمة كتعبير عن عالمية الإيمان.
أما ما نراه اليوم من عولمة ، فهي عولمة أراد فيها أغنياء العالم تحويل أرجاء العالم الى سوق يربحون فيه ، وبذلك لن يزداد الفقير إلا فقرا ، والغني إلا غنى . بينما العولمة الدينية تريد من الغني أن يرفع الفقير إليه . وتوجه البشرية كلها نحو الله سبحانه وتعالى .
ولتتضح الصورة حول العولمة التي يروج لها اليوم لنقرأ فقرات من تقرير التنمية البشرية في العام 1999م الصادر عن الأمم المتحدة .فقد رسم صورة متشائمة للأوضاع الاقتصادية والتنمية في العالم . وابرز التقرير التناقضات العميقة بين الدول الفقيرة والغنية ، وحمل بشدة على المفهوم السائد للعولمة ، حيث دعا الى إعادة صياغة قواعد "العولمة" التي زادت الأغنياء غنى والفقراء فقرا .ومن ضمن ما كشفته الأرقام والمواضيع التي تضمنها التقرير،الأمور الآتية :

1ـ خمس سكان العالم الذين يعيشون في الدول ذات مستوى الدخل المرتفع يتحكمون ب 86%من أسواق التصدير في العالم و68%من الاستثمارات الأجنبية و20%دولة فقط في أوروبا الشرقية والدول النامية التي منها الصين .

2ـ في المجال الثقافي ، اتخذ النتاج الثقافي اتجاها واحدا إذ أغرقت منتجات وسائل الترفيه الأميركي الأسواق العالمية حيث بلغت نسبة الأفلام المستوردة للسوق الأميركية حوالي 3% في حين 90% من أفلام هوليود يتم تصديرها … وفي الوقت الذي تنتشر فيه العولمة وتحرير الأسواق ، فان تلك المسائل تتم من دون أي ضوابط تحكمها بين الدول وفي غالب الأحيان فان الدول الصناعية الغنية هي التي تتحكم وتحدد أسس تلك المعاملات وقدر التقرير حجم التداولات والمبادلات في أسواق العملات والأسهم العالمية بحوالي 1,5%تريلون دولار يوميا .

3ـ من الأرقام المفزعة التي تضمنها التقرير تلك المتعلقة بحجم الجريمة المنظمة والتي قدرت بحوالي 1,5 تريلون دولار ، كذلك فان التجارة بالنساء والأطفال لأغراض الاستغلال الجنسي بلغت حوالي 7 مليارات دولار .

4ـ تضمن التقرير هجوما على سياسات السوق التي غيبت العامل البشري من العملية التنموية لصالح تحقيق الأرباح .

5ـ حذر التقرير من عواقب تجاهل اتساع الهوة بين الأغنياء والفقراء ، حيث أشار الى أن ذلك قد يؤدي الى موجات من الاضطراب والفوضى الاجتماعية التي يمكن أن تؤدي ليس الى نزعات إقليمية بل يمكن أن تتسع لتكون ذات طابع عالمي ، وهو أمر ليس مستبعدا خلال القرن الحادي والعشرين .

نسأل الله سبحانه وتعالى ان يجعل هذا اليوم،يوم يمن وبركة على البشرية كافة،لتتجه صوب عولمة دينية حقيقية يكون دليلها إبراهيم الخليل عليه السلام،ومنطلقها بيت الله الحرام،الذي يكرر فيه المسلمون كل عام ذات المناسك التي أداها هذا النبي العظيم قبل آلاف السنين.
اللهم اجعل صلواتك وبركاتك على محمد وآل محمد،كما جعلتها على إبراهيم وآل إبراهيم…يا رب العالمين.