ورقة للندوة المشتركة بين جمعية المستقبل النسائية ومنتديات البحرين، بتاريخ 9/12/2004م في ذكرى اليوم العالمي للمتطوعين.

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خير خلقه أجمعين محمد وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين، وصحبه المنتجبين.

مرض الحسنان، فنذر علي عليه السلام أن يصوم ثلاثة أيام إن شفيا، فلما خرجا من مرضهما قرر علي البدء في الصيام، فقررت معه الزهراء، وكذلك الحسن وكذلك الحسين،وفي اليوم الأول لصيامهم أعدت لهم الزهراء وجبة الإفطار،وهم على المائدة وقبل أن يشرعوا في إفطارهم،وإذا بطارق يطرق الباب قائلا:مسكين من مساكين المسلمين،أطعموني مما رزقكم الله ياأهل البيت،فقال علي خذوا حصتي إليه،وقالت الزهراء خذوا حصتي إليه وقال الحسنان مثل قولهما،وفي اليوم الثاني وعند ساعة الإفطار وقبل أن يبدأ أهل البيت في إفطارهم وإذا بطارق يطرق الباب قائلا:يتيم من أيتام المسلمين،أطعموني يا أهل البيت مما رزقكم الله،فقال علي خذوا نصيبي إليه وقالت الزهراء مثل قوله وقال الحسنان مثلهما،

وفي اليوم الثالث حدث في ساعة الإفطار مثل ذلك حيث طرق الباب أسير،قائلا أطعموني ياأهل البيت،فقال علي خذوا نصيبي إليه وقالت الزهراء مثل قوله وكذلك الحسنان،ففطر أهل البيت لليوم الثالث على التوالي على الماء القراح،فلما ذهب علي بالحسنين إلى المسجد ونظر رسول الله(ص) إلى ولديه الحسنين،فقال ما اشد ما أرى في ولدي،فأخبره علي بالقصة،فذهب معهم إلى دار فاطمة فرآها وكما تقول الرواية وقد التصق بطنها بظهرها،فتألم النبي لما رآه منهم،وإذا بالوحي ينزل مجسدا لهذا الموقف النبيل من أهل البيت قائلا:"ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا"8/الإنسان.
هكذا يقول أغلب المفسرين حول أسباب نزول هذه الآية،وكما تلاحظون أن القرآن الكريم قد مجد العمل التطوعي من قبل أهل البيت،وجعله قرآنا يتلى آناء الليل وأطراف النهار ابد الدهر.وهذه الآية نزلت في سورة الإنسان التي تعطي نموذجين متقابلين للشخصية الإنسانية،شخصية الأبرار،وشخصية الكفار،وإذا كانت الأولى في القمة فان الثانية في الحضيض.
يقول تعالى:"هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا*إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا*إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا*إنا اعتدنا للكافرين سلاسل وأغلالا وسعيرا*إن الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافورا"1 ـ5/الإنسان.

قيمة العمل التطوعي
القصة أعلاه تبين القيمة التي يعطيها الإسلام للعمل التطوعي،والذي يعرف بأنه كل جهد أو مال اوامكانية يبذلها الإنسان لصالح الآخرين،دون أن يتوقع منهم مقابلا،سواء أكان هذا المقابل ماديا أم معنويا،ودون النظر حتى إلى جنس أو لغة أو حتى دين ومذهب الآخرين،نعم يشترط الإسلام قصد القربة لله سبحانه وتعالى لكي يسجل هذا العمل في رصيد المرء في الآخرة،وهذا واضح في الآية الكريمة:"..إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا".
والمتابع لآيات القرآن الكريم التي تحث على الإيمان يرى الربط الأكيد الذي يقيمه القرآن بين الإيمان والعمل الصالح،والعمل الصالح هو كل عمل يقوم به الإنسان لصالحه أو صالح الآخرين سواء أكانوا على قرابة منه أم لا،يشتركون معه في البلد أو الدين أو الأرومة أم لا يشتركون،والتدقيق في ألفاظ هذه الآيات المباركات يرى أن المقصود بالعمل الصالح هو ما شملت منفعته الآخرين.وبذلك نفهم أن الإيمان من دون العمل لصالح الناس لا يعد ذا قيمة في ميزان القرآن الكريم.
وردت كلمة الصالحات في القرآن الكريم 62 مرة،وفي 58 آية ذكرت فيها هذه اللفظة يربط القرآن الكريم بين الإيمان والعمل الصالح،وهذا ما يجعلنا نقول أن العمل التطوعي في الشأن العام،مما يعد صالحا في الدين والعرف ألعقلائي عند الناس الأسوياء،هو ما يعد من كمال الإيمان وتمامه.فلا إيمان إلا بالعمل الصالح.
وللتكامل بين الإيمان والعمل الصالح عواقب في الدنيا والآخرة، وهذه مجموعة من الآيات التي تسلط الضوء على هذه النتائج.

1/يقول تعالى:"وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات تجري من تحتها الانهاركلما رزقوا منها من ثمرة رزقا قالوا هذا الذي رزقنا من قبل واتوا به متشابها ولهم فيها أزواج مطهرة وهم فيها خالدون" 25/البقرة.
وواضح من الآية المباركة أنها تعطي المؤمنين والقائمين بالعمل الصالح للمجتمع تقديرا كبيرا، وحياة رغيدة وتجعلهم مخلدين في ذلك.

2/ويؤدي الإيمان والعمل الصالح لخلق جو من المحبة والوئام بين المجتمع،إذ يقول تعالى:"والذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا" 96/مريم.

3/كذلك فان الإيمان والعمل الصالح،والذي منه العمل التطوعي لخدمة الناس،يسبب التوسعة في الرزق وتصحيح المسارات الخاطئة.
يقول تعالى:"فالذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة ورزق كريم" 50/الحج.

4/وترى بصورة دائمة أن الذين آمنوا وعملوا الصالحات هم البديل الحضاري للمجتمعات التي يسود فيها الطغيان والفساد،يقول تعالى:"وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون" 55/النور.

5/بل أن المجتمع الذي يسوده الإيمان والعمل الصالح، تنساب أموره بشكل تلقائي لحصد أفضل النتائج، والانتهاء في أعمالهم بأحسن الأعمال.
يقول تعالى:"والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنكفرن عنهم سيئاتهم ولتجزينهم أحسن الذي كانوا يعملون" 7/العنكبوت.

6/ولا يمكن للمؤمنين والعاملين للصالحات إلا أن يكونوا من الصالحين،المؤهلين للريادة في الدنيا والآخرة.
يقول تعالى:"والذين آمنوا وعملوا الصالحات لندخلنهم في الصالحين" 9/العنكبوت.
ويقول أيضا:"إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية" 7/البينة.

النجاح عاقبة العمل التطوعي
ويربط الإسلام بين النجاح في الدنيا والآخرة،والسعي للعمل الخير في المجتمع،فالناجحون كما يرى القرآن الكريم هم الذين يسعون لنشر الخير في المجتمع،ولا شك أن من ابرز أعمال الخير العمل التطوعي،سواء ببذل المال أو الجهد اوما يتوفر لدى المرء من إمكانيات.
يقول تعالى:"ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون" 189/البقرة.
والمفلحون هم الناجحون في الدنيا والفائزون في الآخرة.
ويحرض القرآن الكريم على فعل الخير كأحد العناصر التي تقود إلى النجاح، إذ يقول تعالى:"ياايها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير لعلكم تفلحون" 77/الحج.
والمتابع لسيرة الناجحين الذين حققوا انجازات على مستوى البشرية كلها يجد أنهم يتميزون بالعطاء الكبير للناس دون أن ينتظروا منهم جزاءا ولا شكورا.

قوة المجتمعات في عملها التطوعي
وتتقدم المجتمعات كلما ازداد العمل التطوعي فيها،وقد كان المسلمون أقوياء فيما مضى من الزمن حين كان العمل التطوعي جزءا من يومياتهم،وحين كان الكثير من المسلمين يقومون ببذل الجهد التطوعي لصالح الآخرين،وقد حدثنا التاريخ،عن العمل الكبير الذي قام به أمير المؤمنين علي بن أبي طالب بحفر الكثير من آبار الماء ثم جعلها وقفا على الناس،ويعد باب الوقف من اكبر المشاريع الخيرية التي يقدمها الإنسان لمجتمعه سواء في حياته أو بعد مماته،وهناك تشريعات واسعة في القانون الإسلامي لمسالة الوقف ما يدل على أن الإسلام يعتبر الوقف عملا ملازما للمسلمين وجزءا من أولوياتهم،وكان الناس يحفظون الحديث النبوي الشريف الذي يؤكد أن ابن آدم إذا مات انقطع عن الدنيا إلا إذا خلف ولدا صالحا يدعو له أو صدقة جارية"ينتفع بها الناس (والوقف من ابرز مصاديقها)،أو علم ينتفع به الناس.
واليوم يرجع تقدم المجتمعات الغربية على الشرقية،في احد أسبابه،لازدياد العمل التطوعي والفعل الخيّر في تلك المجتمعات،وان كانت عدوانية اتجاه المجتمعات الأخرى،وهنا أورد بعض المعلومات التي تؤكد تعاظم العمل التطوعي في تلك المجتمعات:
جاء في الدليل الإحصائي للنشاط التطوعي(الخيري)في الولايات المتحدة الأمريكية لعام2001م، ما يلي:بلغ مجموع التبرعات لعام 2001في الولايات المتحدة212بليون دولار بارتفاع طفيف على العام 2000.وقد بلغت نسبة التبرعات من الافراد160,72بليون،وتمثل التبرعات من الوصايا 16,33 بليون وتبرعات المؤسسات الوقفية 25,9 بليون،وبلغت التبرعات للمنظمات الدينية 80,96 بليون دولار والتبرع للتعليم بلغ 31,84 بليون وللأغراض الصحية بلغ 18,43 بليون وللخدمات الإنسانية بلغت التبرعات 20,71 بليون دولار،وللفن والثقافة 12,14 مليون دولار،وللحيوانات والبيئة بلغت 6,41 بليون.
وفي استطلاع أن 89% من الأسر الأمريكية يعطون تبرعات بمتوسط 1620دولارا للسنة، ويتطوع 44%من البالغين بوقته لصالح الأعمال التطوعية، والمتطوعون يعطون 3.6 ساعة تطوع بالأسبوع.
وذكرت تقارير من بريطانيا أن 30% من البريطانيين يتبرعون للأغراض الخيرية ومتوسط التبرع 4, 4 جنيه أسبوعيا، 229 سنويا، وفي استقصاء من كندا أن 91% من عينة الاستقصاء قدموا تبرعات خلال عام 2000م.وبلغ عدد المتطوعين الهولنديين 3,5مليون متطوع.

تراجع العمل التطوعي
ترى ما الذي جعل العمل التطوعي يتراجع عن معدلاته الطبيعية في حياة المسلمين سابقا، مع ما نراه من وفرة في بعض المجتمعات الإسلامية كالمجتمعات الخليجية مثلا؟!
لاشك أن هناك مجموعة من العوامل التي أدت إلى ذلك،منها عدم تبني النظام الإسلامي في الحياة العامة،وحتى في مجال التشريع تم استبدال الفقه الإسلامي بقوانين وضعية،لاتعمق البعد الإيماني في شخصية المجتمع،لكن هنالك عوامل تفصيلية جديرة بالذكر هنا:

1/سيطرة الطبيعة الأولى للنفس على الإنسان،مما يؤدي إلى تضخم الذات على حساب المجتمع،والقرآن الكريم يشير في آياته أن الطبيعة الأولى للنفس تمنعه من الانفتاح على الآخرين وتقديم يد المساعدة والعون لهم،وان علاج هذا المعوق عن العمل التطوعي بحاجة إلى تثقيف قرآني ببرامج الإسلام في الارتقاء بشخصية الإنسان من طبيعته الأولى إلى رحاب الإيمان والتحضر،عبر العطاء للآخرين.
يقول تعالى:"فاتقوا الله ما استطعتم واسمعوا وأطيعوا وأنفقوا خيرا لأنفسكم ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون" 16/التغابن.

2/الفهم الخاطئ في تقدير قيمة الأعمال التطوعية،حيث ينظر البعض إلى الأعمال العبادية،كالصلاة والصيام والحج والعمرة وزيارة الأماكن المقدسة التي تتميز بطابعها الفردي،بأنها أعظم القربات إلى الله سبحانه وتعالى،بينما نجد أن الإسلام يعتبر العمل التطوعي من اكبر القربات عند الله سبحانه وتعالى،وقد رأينا كيف أن القرآن الكريم يمجد العمل التطوعي الذي قام به أهل البيت مع المسكين واليتيم والأسير،ونجد عليا عليه السلام يوصي أبنائه حين وفاته بالعمل لأصلاح المجتمع باعتباره أفضل من الأعمال العبادية المستحبة،وهو ينقل لهم توصيات النبي(ص)،فيقول لولده:"وأعلموا أن إصلاح ذات البين أفضل من عامة الصلاة والصيام".ولاشك أن إصلاح ذات البين من الأعمال التطوعية،كالإصلاح بين زوجين أو اخوين اوصديقين أو جماعتين.
وقد نقل عن الإمام الباقر عليه السلام،انه قال:لإن أعول بيتا من المسلمين،اكسوا عورتهم،واشبع جوعتهم،وأحفظ ماء وجههم،أحب إلي من حجة وحجة وحجة،حتى عد سبعين حجة.
وهذا ما يكشف عن قيمة العمل التطوعي في الإسلام، وتفضيله على العمل ألعبادي الفردي المستحب، بل يعتبر العمل التطوعي من اكبر العبادات.

3/قلة التشجيع الاجتماعي للقائمين على العمل التطوعي،مما يؤدي إلى زهد الآخرين فيه،وفي بعض المجتمعات يتعرض القائمون بالعمل التطوعي إلى سوء ظن بهم وتشكيك في نياتهم ومقاصدهم،وقد تكون هناك بعض الفئات التي تستفيد من مجالات العمل التطوعي للكسب السياسي أو المادي بشكل عام،لكن هذا لايعني أن القائمين على العمل التطوعي يستهدفون بصورة دائمة الترويج لمشاريعهم،وقد وضع الإسلام قيد"لا نريد منكم جزاءا ولا شكورا"لكي لا ينظر للعمل التطوعي على انه لغاية آخري سوى وجه الله الكريم،وخدمة للناس.
وفي الوقت الذي نجد فيه بعض المجتمعات تنسى الذين قدموا خدمات جليلة من أجلها،نرى المجتمعات المتقدمة تحتفي بالذين قدموا خدمات لها بشكل كبير،فتطلق أسماءهم على أهم الشوارع في بلدهم،وتسمي جامعات أو صالات في الجامعات والمستشفيات،وما شابه ذلك بأسمائهم،بل يخصص في بعض المجتمعات أيام للاحتفال بذكرهم.

4/سوء التخطيط للعمل التطوعي،والمقصود بذلك،عدم النظر لأولويات المجتمع في الأعمال الخيرية،مما يجعل تضخما في جانب ونذره في جوانب أخرى،فقد تتضخم الأعمال التبرعية للمؤسسات الدينية الصرفة كالمساجد والحسينيات والمدارس الدينية وهو أمر مطلوب،وفي ذات الوقت تنذر الأعمال التبرعية في مجال الخدمات العامة للناس،أو المجال العلمي والمعرفي العام أو المجال الصحي،أو المجال الأمني والاجتماعي،وهي مجالات لا تقل أهمية في حياة الناس عن المؤسسات الدينية بل ومكملة لها.
إن قيمة التخطيط للعمل التطوعي،تكمن في توفيره نظرة متوازنة لحاجات المجتمع وترتيب أولوياته،ما يعني إحساس المجتمع بالدور الذي يساهم به العمل التطوعي سواء في الحياة الدينية أو الاقتصادية أو الاجتماعية أو غيرها.

وخلاصة القول:أن الإسلام يعطي العمل التطوعي اهتماما كبيرا،وما هو مطلوب منا كأفراد ومجتمعات أن نعلي من قيمته،ونسعى لتطوير أدواته في حياتنا اليومية.